التساؤل ـ أي تساؤل ـ بشأن مشروعية نظام التقليد عند الشيعة (اي تقليد الشخص العامي لمرجع الدين الفقيه الجامع للشرائط)، لا يمكن ان يعتبر موضع اتهام او في باب تجاوز العرف الاجتماعي والديني. فالبعض ممن يضيق صدره حينما تطرح مثل هذه القضية الحيوية يروج لمثل هذه الاتهامات، ويعتبر اي تشكيك في التقليد، ولو من باب التشكيك العلمي لا الفضولي، تطاولا على ارث ديني تاريخي.!!
فلا يمكن ان يمارس الحظر على طرح مثل هذه القضايا، اذ انها مرتبطة بمسائل ادارية تنظيمية لا بمسائل فكرية. فتارة يكون الحظر على اساس ان التقليد من المقدسات، وتارة اخرى على انه موضوع فكري متشعب ومعقد. فالعديد من المعارضين يزعمون بانه لا يمكن للانسان العادي غير المتخصص في العلوم الدينية والشرعية، والذي بات يضع امام نظام التقليد علامات استفهام عديدة وجريئة، ان يطرح حتى تساؤلا عاديا ناهيك عن الخوض في تفاصيله الرسمية المرتبطة بمناهج المدرسة الدينية المسماة بالحوزة العلمية، رغم ان التقليد يتدخل ـ ولو جبرا ـ بتفصيلات حياة الانسان وقضاياه الدينية والدنيوية. فمن البديهي ان يكون التقليد محل تساؤل بشأن اصله التاريخي ومشروعية استمراره وامكانية تطوره وتغيره، في ظل التطور والتغير الجاري في الحياة العامة. فقد اصبح بالنسبة للشيعة جزءا من هذه الحياة، كما تجاوز الطرح الخاص والفئوي في الحوزات العلمية وبات موضوع محاضرات عامة، كمحاضرات احياء ذكرى حادثة كربلاء التي استشهد فيها الحسين بن علي ابي طالب، وهي محاضرات لا ترتبط بفئة ثقافية او مذهبية معينة ويتم تداول اشرطتها في كل مكان.. فهل يعقل بعد هذا ان يخرج البعض ويدعي حظر طرح مثل هذه الاسئلة والموضوعات؟.. وهل السؤال في هذا الشأن هو من باب الدخول في منطقة محرمة؟.. وهل يحرم على المريض ـ على سبيل المثال ـ ان يسأل عن المستوى العلمي للطبيب وتشخيصه للمرض والعلاج الذي يشترطه والدواء الذي يصرفه؟..
فالذين يستشكلون على الانسان العامي ان يطرح تساؤلا حول تاريخ التقليد او مشروعيته، هم ممن ساهموا في تكميم افواه الناس وزرعوا ثقافة «اللاسؤال» في المجتمع.
يقول جابر عصفور (في صحيفة الحياة العدد 14136) «ان الاستبداد السياسي من ناحية والتراتب الاجتماعي الصارم من ناحية ثانية فضلا عن لوازم البنية البطريركية التي ظلت متوارثة، كلها عوامل موازية لعوامل التأويلات الدينية في ترسيخ تقاليد التقليد وتثبيتها على مستويات عديدة في كل مجالات الثقافة العربية».. ويضيف «من الطبيعي ان تندفع المفاهيم الملازمة للتقليد، وتمارس عنفها القمعي خصوصا في مواجهة التحولات او التغيرات الجذرية التي تهدد تقاليد التقليد او تسعى الى تقويضها بحثا عن آفاق مغايرة او احتمالات واعدة، عندئذ تنهض المفاهيم الملازمة للتقليد بدور حراس الثقافة المدافعين عنها ضد الهجمات الخارجية او حتى الانحرافات الداخلية»…
ان نظام التقليد عند الشيعة لم يتبلور الا على يد الشيخ مرتضى الانصاري الذي عاش في العراق منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وقد قدم اطروحات اتسمت بالاهمية وأسست لمناهج عقلية وفقهية في الفقه الشيعي، غير ان الانصاري هو الذي فعل موضوع التقليد وأفتى ببطلان عمل الشيعي الذي لا يقلد الفقيه او يحتاط. وجاء بعد الانصاري تلميذه صاحب كتاب العروة الوثقى السيد كاظم اليزدي ليشرح وينظر لفكرة استاذه، حيث بحث بالتفصيل في باب التقليد ووجوب اتباع المرجع في الاحكام العبادية. وقد التزم الفقهاء الشيعة (اصحاب المدرسة الاصولية) بهذه العلاقة وبنوا على اثرها احكاما وقوانين ترسخ التقليد وتبطل عمل الاتباع بدون الرجوع الى مرجع التقليد…
من جانب آخر لم يكن الاجتهاد عند الشيعة معروفا ولم يفتح بابه الا في القرن الخامس الهجري. وقد كان التقليد في بداية نشوء الاجتهاد محرما عند الشيعة، اذ كان يقول الشيخ الطوسي في كتابه (تلخيص الشافي) «ان العامي لا يجوز ان يقلد غيره بل يلزمه ان يطلب العلم من الجهة التي تؤدي العلم»، كما كان يقول السيد ابن زهرة في (الغنية) بانه «لا يجوز للمستفتي ان يقلد المفتي لان التقليد قبيح ولان الطائفة الشيعية مجمعة على انه لا يجوز العمل الا بعلم، وانما أمر أهل الب






















